ما يمر به إقليم الشرق الأوسط حاليا من مخاطر، تعد أخطر مما تعرض له إبان كل الحروب السابقة، بدءا من الاجتياح المغولى، ومرورا بالحروب الصليبية، والاستعمار الغربى، وصولا للعدو الصهيونى وعصاباته، ثم زرع ميليشيات «فواعلية» لإثارة الفوضى وتجهيز المسرح لتمزيق الخرائط وإعادة تقسيم المقسم، وتوظيف ما يطلق عليه كذبا وبهتانا، ثورات الربيع العربى، وقد نجحت بالفعل فى هز الأمن والاستقرار لعدد كبير من الدول، وأسقطتها فى مستنقع الفوضى، وصارت دولا تصنف فى خانة الفاشلة.
وفى انقلاب السحر على الساحر، بدأ الداعمون لهذه الميليشيات - متعددة المذاهب ومختلفة المشارب والمتفقة فى الأهداف - الانقلاب عليهم، وتعديل توظيفهم، من كونهم رأس حربة تنفيذ المخططات لهدم أوطانهم، إلى محاربتهم واتخاذهم ذريعة قوية لتوجيه ضربات عسكرية قوية للجغرافيا التى يقيمون فيها، تحت اتهام أنهم أعداء يهددون أمن وأمان الكيان والمصالح الأمريكية وحلفائها.
العدو الرئيسى فى المنطقة، وظف عبث الميليشيات، وكونها شوكة دامية فى ظهر أوطانها، لتنفيذ مخططاتها التاريخية، ونجح بالفعل فى تحقيق بعض الأهداف، وأخرج دولا من معادلة قوة الأمتين العربية والإسلامية، حتى من حيث الحسابات الرقمية، والتأثير الجيوسياسى، بعيدا عن القدرة العسكرية؛ وعندما عاد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، من جديد للبيت الأبيض منذ عام، اتخذت المخاطر فى الإقليم منحى جديدا، قائما على الابتزاز واغتصاب مقدرات الدول، فى صياغة مختلفة وهى «عقد الصفقات».
إذن مخاطر الإقليم متعددة، تقليم أظافر الدول، وتمزيق جغرافيتها لصالح العدو الرئيسى، والاستحواذ على المقدرات، وكأنها غنائم، ما يشكل مخاطر كارثية، لذلك يجب على الدول الفاعلة والمؤثرة فى المنطقة، أن تتحد، وتعقد فيما بينها تحالف الضرورة، للتصدى لهذه المخططات، على أن يكون هذا التحالف، خيوطه متماسكة قوية لا ينال منها مخططات، وغير قابلة للاختراق، فالجميع مهدد وكلما كان هناك وحدة وتحالف قوى، كلما توفرت القدرة على صيانة الأمن القومى لهذه الدول، ومنع تمزيق الإقليم.
ومن أبرز الدول التى يمكن لها أن تشكل تحالف الضرورة، مصر والمملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، ولكل دولة من هذه الدول، خصوصيتها، وقدراتها الخاصة التى يتمتع بها؛ فالرباعى لا يتشابه من حيث القدرات ولا من حيث المواقع الجيوسياسية، لكنها تشترك فى عامل جوهرى، أن لكل دولة منها تمتلك أدوات نفوذ قادرة على عرقلة أو احتواء محاولات تمزيق الخرائط العنيفة.
مصر، تاريخيا تلعب دور الحارس للمعابر البحرية، وتتحكم فى أهم شريان بحرى، قناة السويس، بالإضافة إلى وزنها السياسى فى أمتيها العربية والإسلامية، وشرعيتها المستمدة بقوة التاريخ، بالإضافة إلى ما تتمتع به من قوة عسكرية وعراقة دبلوماسية، ترتكز على نشر الأمن والاستقرار، ومحاولات إطفاء الحرائق، وهذه الخصائص ليست من بنات أفكارى، وإنما وفق مصادر تحليلية مثل «كارنيجى» التى تبرز هذه المقومات، وتضيف بأن هناك تحولا جوهريا للدولة المصرية حاليا، من خلال رسم نموذج قائم على النفوذ العسكرى والاقتصادى والسياسى المحافظ.
أما السعودية، فتمتلك قدرة فريدة فى ثروتها النفطية ومشروعاتها الاقتصادية، وثقلها بين الأمتين العربية والإسلامية؛ وفى السنوات الأخيرة اتجهت المملكة إلى سياسة توازن متعدد المحاور، ومحاولة تأسيس علاقات استراتيجية متعددة، وهو ما مكنها أن تكون لاعبا قادرا على تشكيل تحالفات سريعة؛ هذه القدرات تمنح الرياض قدرة على أن تكون رقما فاعلا فى التحالف لمواجهة محاولات تمزيق الخرائط.
أما باكستان، فتمثل مفترق طرق استراتيجية بين آسيا الوسطى، والصين، وبحر العرب، وتمثل قوة نووية، وترتبط بعلاقات قوية مع بكين والرياض، بجانب ارتباطها بمصالح إسلامية أوسع مما يجعلها شريكا جوهريا فى أى معادلة ردع.
أما تركيا، فإنها تتمتع بقدرات اقتصادية وعسكرية كبيرة، وتلعب دورا فى شرق المتوسط وسوريا، ما يؤهلها أن تكون رقما فاعلا فى مواجهة محاولات إعادة رسم خرائط النفوذ فى المنطقة.
ورأينا بالفعل كيف لعب الثلاثى مصر والسعودية وتركيا، دورا مهما إزاء قضايا إقليمية ساخنة، كالمسألة السودانية، والبحر الأحمر؛ وهناك تقارير بحثية أشارت إلى أن هناك تنسيقا كبيرا بين الثلاثى فى ملفات حساسة، ما يعكس القدرة على تحريك خطوط النزاع، ووضع حد لها.
من خلال هذا السرد، يتبين كم يمتلك الرباعى من قدرات وأدوات جغرافية واقتصادية وعسكرية وسياسية، تجعل منه تحالفا قويا قادرا على أن يكون ركيزة وحائط صد ضد تمزيق جغرافيا الإقليم، ويمثل تحالفا قويا لا تخطئه العين، يصون بقوة الأمن القومى العربى والإسلامى.